قطب الدين الراوندي

177

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

السلام بالكوفة وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي ، وعليه مدرعة من صوف وحمائل سيفه ليف ، وفي رجليه نعلان من ليف وكأن جبينه ثفنة بعير ، فقال عليه السلام : الحمد للَّه الذي إليه مصائر الخلق ، وعواقب الأمر ، نحمده على عظيم احسانه ، ونير برهانه ، ونوامي فضله وامتنانه . حمدا يكون لحقه قضاء ، ولشكره أداء ، والى ثوابه مقربا ، ولحسن مزيده موجبا . ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف له بالطول ، مذعن له بالعمل والقول . ونؤمن به ايمان من رجاه موقنا ، وأناب إليه مؤمنا ، وخنع له مذعنا ، وأخلص له موحدا ، وعظمه ممجدا ، ولاذ به راغبا مجتهدا . لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا ، ولم يلد فيكون موروثا هالكا ، ولم يتقدمه وقت ولا زمان ، ولم تتعاوره زيادة ولا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم . فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد ، قائمات بلا سند ، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات غير متلكئات ولا مبطئات ، ولولا إقرارهن له بالربوبية وإذعانهن له بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه ، ولا مسكنا لملائكته ، ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه . جعل نجومها أعلاما يستدل بها الحيران في مختلف فجاج الأقطار ، لم يمنع ضوء نورها ادلهمام سجف الليل المظلم ، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر . فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج ، ولا ليل ساج ، في بقاع الأرضين